قالت وكالة الأنباء الإثيوبية، إن سد النهضة ظل لأكثر من عقد من الزمن في قلب أحد أهم التحولات الجيوسياسية وتحولات الطاقة الكهرومائية في إفريقيا. ومع ذلك، رأت أن اختزال الدعاية المصرية "غير المؤسسة" ضد إثيوبيا بشأن مخاطر المياه قد يؤدي إلى إغفال قصة أكبر وأكثر أهمية على نحو متزايد.

 

إذ وضع التقربر معارضة مصر لبناء سد النهضة، والتصعيد الأخير بشأن خطط إثيوبيا لبناء سدود إضافية في إطار منافسة استراتيجية أوسع تشمل الأمن المائي، والنفوذ الإقليمي، والبحر الأحمر، والسياسة الداخلية الإثيوبية، والتحول في موازين القوى بمنطقة القرن الإفريقي.

 

وقال إن الدليل الأكثر وضوحًا على أن النزاع تجاوز منذ فترة طويلة المسائل الفنية المتعلقة بالمياه ظهر إلى العلن في عام 2013، مستشهدًا بالاجتماع الذي عقده الرئيس الراحل محمد مرسي لمناقشة أزمة سد النهضة مع عدد من الشخصيات السياسية المصرية، حيث سمع عن غير قصد وهم يناقشون طرقًا محتملة لممارسة الضغط على إثيوبيا، وكان الاجتماع يُبث على الهواء مباشرة، لكن يبدو أن جميع المشاركين لم يكونوا يدركون ذلك. 

 

فقد اقترح يونس مخيون، رئيس حزب النور آنذاك، دعم حركات المعارضة الإثيوبية كوسيلة لممارسة الضغط على أديس أبابا. وأشار تحديدًا إلى جبهة تحرير أورومو والجبهة الوطنية لتحرير أوجادين. كما ناقش تعزيز علاقات مصر مع إريتريا والصومال وجيبوتي، والنظر إلى هذه العلاقات باعتبارها نقاط ضغط محتملة ضد إثيوبيا.

 

أما أيمن نور، رئيس حزب غد الثورة، فذهب إلى أبعد من ذلك. إذ دعا إلى وجود سياسي واستخباراتي قادر على الانخراط في الشؤون الداخلية لإثيوبيا، واعتبر أن العلاقات مع إريتريا والصومال وجيبوتي يمكن أن تشكل ورقة مهمة للضغط على الدولة العملاقة في شرق إفريقيا. كما وثقت تقارير معاصرة دعوته إلى عمل فرق سياسية واستخباراتية وعسكرية داخل إثيوبيا.

 

واعتبر التقرير أن التصريحات كشفت، بصورة مباشرة وغير مألوفة، عن نمط التفكير السائد داخل شريحة مؤثرة من المؤسسة السياسية المصرية في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في نزاع سد النهضة، ولم يتعرف العالم على هذه الأفكار من خلال وثائق استخباراتية مسربة أو تكهنات دبلوماسية، بل سمعها على الهواء مباشرة عبر التلفزيون.

 

من سياسة المياه إلى سياسة الضغط


وقالت الوكالة الإثيوبية إن ما يجعل واقعة عام 2013 ذات أهمية خاصة اليوم هو المنطق الذي كان يقف وراء تلك المقترحات. فالنقاش لم يقتصر على التفاوض بشأن تشغيل سد، بل شمل الديناميات السياسية الداخلية الإثيوبية، والدول المجاورة، والقدرات الاستخباراتية، بل وحتى احتمال ممارسة الضغط العسكري.

 

وأشار مخيون إلى جماعات المعارضة الإثيوبية باعتبارها "أوراق ضغط" محتملة، في حين أفادت روايات معاصرة بوجود نقاش حول استخدام القدرات الاستخباراتية ضد السد إذا فشلت الخيارات الأخرى. أما نور، فقد اقترح خلق انطباع بأن مصر تستعد لعمل عسكري كوسيلة لتكثيف الضغط على إثيوبيا. 

 

ومع ذلك، لم تختبر مصر إثيوبيا قط من خلال مواجهة عسكرية مباشرة. ويظل الخيار العسكري طريقًا مسدودًا بالنسبة للقاهرة، في ظل القيود التي تفرضها جغرافية إثيوبيا وعمقها الاستراتيجي وقدراتها العسكرية.

 

ونظر التقرير إلى هذه التصريحات على أنها كشفت عن تصور أوسع للنزاع، مفاده أن الضغط يمكن أن يُمارس ليس فقط عبر الدبلوماسية، بل أيضًا من خلال نقاط الضعف السياسية الداخلية لإثيوبيا وبيئتها الإقليمية.

 

وشدد على أن الخلاف بين دولتين ذواتي سيادة بشأن إدارة نهر عابر للحدود مكانه طاولة المفاوضات. أما الجهود الرامية إلى التلاعب بالانقسامات السياسية الداخلية لدولة ما أو تحويل الدول المجاورة إلى أدوات للضغط الاستراتيجي، فتنتمي إلى فئة مختلفة تمامًا.

 

ولهذا تحديدًا، قالت الوكالة إن واقعة عام 2013 تظل ذات صلة حتى اليوم.

 

القرن الإفريقي 

 

بعد أكثر من عقد من الزمن، وصف التقرير البيئة الجيوسياسية المحيطة بإثيوبيا بأنها أصبحت أكثر تعقيدًا بكثير، فنزاع النيل يتقاطع اليوم مع أمن البحر الأحمر، وسعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، والصراع في السودان، والمخاوف الأمنية في الصومال، والمنافسة على النفوذ في أنحاء القرن الإفريقي.

 

كما أصبحت علاقات مصر بالدول المحيطة بإثيوبيا أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية.

 

وفي يونيو 2026، استقبل (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في القاهرة، حيث ناقش الجانبان التعاون الثنائي، والسودان، والتنسيق بشأن أمن البحر الأحمر. ومنذ ذلك الحين، واصلت مصر وإريتريا مشاوراتهما بشأن شراكتهما الاستراتيجية والأمن الإقليمي.

 

وطرحت الوكالة التساؤل: هل تتمحور استراتيجية القاهرة في جوهرها حول المصالح المائية، أم أنها أصبحت تركز بصورة متزايدة على إدارة النفوذ الإقليمي المتنامي لإثيوبيا؟

 

وفي سياق إجابته، استشهد التقرير بتحليلات إقليمية حديثة أشارت إلى أن مخاوف مصر لم تعد تقتصر على النيل، بل امتدت إلى طموحات إثيوبيا البحرية وشراكاتها الإقليمية ودورها الجيوسياسي المتنامي. وفي يوليو 2026، سلطت مشاورات ضمت مصر والصومال وإريتريا والولايات المتحدة الضوء أيضاً على الطبيعة المتزايدة الترابط بين أمن البحر الأحمر والطموحات الإقليمية لإثيوبيا والمنافسة الأوسع في القرن الإفريقي.

 

صعود إثيوبيا يغير الحسابات


واعتبر التقرير أن إثيوبيا اليوم ليست إثيوبيا العقود السابقة، وأصبح سد النهضة نفسه رمزاً لهذا التحول. فبالنسبة لإثيوبيا، لا يمثل المشروع مجرد منشأة لتوليد الكهرباء، بل يجسد جهدًا وطنيًا لتعبئة الموارد المحلية، وتوسيع إنتاج الطاقة، وإثبات أن مشروعًا تنمويًا إفريقيًا كبيرًا يمكن تمويله وبناؤه بالإرادة الوطنية.

 

وأضاف: وقد غيّر هذا التحول النفسية السياسية المحيطة بالنيل، وباتت إثيوبيا تؤكد بصورة متزايدة أن التنمية والسيادة والتكامل الاقتصادي الإقليمي لا يمكن أن تظل خاضعة إلى ما لا نهاية لتفضيلات دول المصب.

 

ويمضي التقرير متسائلاً: إذا كانت قضية القاهرة تتعلق حقًا بالمياه، فلماذا يبدو الأمر بصورة متزايدة وكأنه صراع من أجل النفوذ السياسي على إثيوبيا؟، وإذا كان هدف القاهرة هو تحقيق الاستقرار في القرن الإفريقي، فكيف يمكن للمنطقة أن تحقق سلامًا دائمًا إذا كانت الدول المجاورة تنظر إلى بعضها البعض بصورة متزايدة من منظور الاحتواء والتنافس الاستراتيجي؟

 

مع ذلك، أكد أن هذه ليست أسئلة موجهة ضد الشعب المصري، فللإثيوبيين والمصريين قرون من الروابط التاريخية والثقافية والإنسانية. ولدى المجتمعين أسباب للتعاون أكثر بكثير من الأسباب التي قد تدفعهما إلى أن يصبحا خصمين دائمين.

 

فالقضية الحقيقية لا تتعلق بسد النهضة وحده، بل بمنطق استراتيجي للمواجهة ضد إثيوبيا متجذر في التفكير السياسي المصري منذ عقود، وهو نمط تعامل مرارًا مع الضغط والتحالفات الإقليمية والنفوذ السياسي باعتبارها أدوات لاحتواء صعود إثيوبيا.

 

حلقة خطيرة على القرن الإفريقي


ورأى التقرير أن الخطر الأكبر يكمن في أن يصبح نزاع النيل بوابة لمواجهة إقليمية أوسع بكثير، فالقرن الإفريقي يعد بالفعل واحدًا من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الاستراتيجية. فهو يقع بمحاذاة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، اللذين تمر عبرهما طرق تجارية عالمية حيوية. كما يتأثر بالصراعات في السودان والصومال، والتنافسات الإقليمية غير المحسومة، والمنافسة المتزايدة على الموانئ والوصول البحري والشراكات الأمنية.

 

وحذر من أن  إضافة استراتيجية مصرية متهورة تعتمد على الوكلاء إلى بيئة إقليمية هشة بالفعل ينطوي على مخاطر تتجاوز بكثير حدود البلدين، وقد تؤدي استراتيجية الاحتواء إلى نتائج عكسية تمامًا لما تهدف إليه.

 

فبدلاً من إجبار إثيوبيا على التخلي عن طموحاتها التنموية، قد تدفع أديس أبابا إلى تعميق شراكاتها الاستراتيجية في أماكن أخرى، وتسريع جهودها لتنويع علاقاتها الإقليمية، واعتماد نهج أكثر تركيزًا على الأمن في سياستها الخارجية، وذلك سيجعل التوصل إلى تسوية أكثر صعوبة، لا أسهل.

 

ما بعد سد النهضة: التخلي عن سياسة الخوف والضغط


خلص التقرير إلى أنه "ليس لدى مصر أي سبب للخوف من تنمية إثيوبيا. ولذلك ينبغي لمصر أن تتوقف عن التعامل مع تنمية إثيوبيا باعتبارها تهديدًا".

 

وقد أظهرت إثيوبيا مرارًا أقصى درجات المرونة والاستعداد للتفاوض في إطار تقوده الاتحاد الإفريقي، استنادًا إلى مبدأ بسيط: "حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية".

 

وما هو مطلوب ليس الضغط، أو المنافسة عبر الوكلاء، أو المناورات الإقليمية، بل الحوار والشفافية والاحترام المتبادل وحلول إفريقية حقيقية تقودها إفريقيا. ويجب على مصر التخلي عن الافتراض القديم بأن الضغط السياسي يمكن أن يملي الخيارات الاستراتيجية لإثيوبيا أو أن يفضي إلى نتيجة مستدامة.

 

وبدلاً من تحويل القرن الإفريقي إلى رقعة شطرنج جيوسياسية، ينبغي لمصر أن تختار التعاون بدلاً من المواجهة، والحوار بدلاً من المنافسة الإقليمية المزعزعة للاستقرار. ففي نهاية المطاف، سيتحمل شعوب المنطقة عواقب استمرار سياسة حافة الهاوية.

 

وانتهى إلى القول: إن خيار مصر بات واضحًا الآن: إما التفاوض مع إثيوبيا كشريك متكافئ، أو البقاء أسيرة سياسة الخوف التي لن تستطيع وقف صعود إثيوبيا.